ابن هشام الأنصاري
269
شرح قطر الندى وبل الصدى
وقد أشرت بقولي : « وأكثر وقوعه » إلى أن تمييز الفرد لا يختص بالوقوع بعد المقادير . ومفسر النّسبة على قسمين : محوّل ، وغير محوّل . فالمحوّل على ثلاثة أقسام : محوّل عن الفاعل ، نحو وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 1 » أصله : اشتعل شيب الرّأس ؛ فجعل المضاف إليه فاعلا ، والمضاف تمييزا ؛ ومحوّل عن المفعول ، نحو : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً « 2 » أصله : وفجرنا عيون الأرض ، ففعل فيه مثل ما ذكرنا ، ومحوّل عن مضاف غيرهما ، وذلك بعد أفعل التفضيل المخبر به عما هو مغاير للتمييز ، وذلك كقولك : « زيد أكثر منك علما » أصله : علم زيد أكثر ، وكقوله تعالى : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً « 3 » فإن كان الواقع بعد أفعل التفصيل هو عين المخبر عنه وجب خفضه بالإضافة ، كقولك : « مال زيد أكثر مال » إلا إن كان أفعل التفضيل مضافا إلى غيره فينصب ، نحو : « زيد أكثر الناس مالا » . [ قد يكون الحال أو التمييز مؤكدا ] وقد يقع كل من الحال والتمييز مؤكّدا غير مبين لهيئة ولا ذات . مثال ذلك في الحال قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ « 4 » ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ « 5 » وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا « 6 » فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً « 7 » وقال الشاعر : « [ 106 ] » - وتضيء في وجه الظّلام منيرة * كجمانة البحريّ سلّ نظامها
--> ( 1 ) من الآية 4 من سورة مريم . ( 2 ) من الآية 12 من سورة القمر . ( 3 ) من الآية 34 من سورة الكهف . ( 4 ) من الآية 60 من سورة البقرة . ( 5 ) من الآية 25 من سورة التوبة . ( 6 ) من الآية 33 من سورة مريم . ( 7 ) من الآية 19 من سورة النمل . ( [ 106 ] ) - هذا البيت من كلام لبيد بن ربيعة العامري ، من معلقته المشهورة ، من أبيات يصف فيها بقرة من بقر الوحش . اللغة : « تضيء » يريد أنها شديدة البياض « وجه الظلام » أوله « جمانة » بضم الجيم - اللؤلؤة الصغيرة « البحري » أراد به الغواص « نظامها » أي : خيطها . -